الرئيسية > أخبار المغرب

الدكتور تفروت يكتب عن حياة المغاربة ومعضلة ” التدبير المفوض “

  • الأحد 22 يوليو 2018 - 11:58

الدكتور لحسن تفروت
إذا كانت الفلسفة كحياة، أو على الأقل الفلسفة كمنهج للحياة تدعو إلى الإنهمام بالذات والاهتمام بها، بل واستثمار أشكال الولع بها، وممارستها كفن، فإن الحياة عند غالبية المغاربة تحيد عن هذا التوجه. حيث أن هؤلاء يفوضون أمر تدبير عيشهم وحياتهم العامة والخاصة للغير، حتى في الأمور الأكثر محايثة، للحياة في أدق تفاصيلها. ورغم أن الناس لا يلتفتون إلى هذا المغطى المفترض، فإن مقصدنا من هذا القول هو الكشف عن بعض مظاهر التخلي عن الحياة عند المغاربة في بعديها، الفردي والجماعي، من خلال بعض الحالات. وقبل ذلك يبدو أن اللزوم يقتضي تحديد دلالة ” التدبير المفوض “، تم تبيان انعكاساته على الحياة، سلبا أو إيجابا.
صحيح أن مفهوم ” التدبير المفوض ” حديث التداول في الوسط المغربي. ورغم كونه من المفاهيم الشائعة، التي تستعمل دون الحسم في معناها، فإن مجال تجواله وتداوله يبقى محصورا على مجال الأعمال والمقاولة. إنه ينتمي إلى مجال قانون ” العقود والالتزامات “. فالمفهوم اقتحم الساحة المغربية في تسعينيات القرن الماضي، حيث استخدم في مجال تسيير الشأن العام المحلي. إذ أن مجموعة من المصالح تم تفويت تسييرها إلى الخواص، كالنقل والنظافة والماء والكهرباء … وإذا كان اللفظ يقابل في اللغة الفرنسية كلمة ” gestion déléguée la “، فإنه أصبح واسع الاستعمال في قطاعات خصوصية جديدة، في المقاولة. هذه الأخيرة التي نجدها تفوت إنجاز بعض الأعمال إلى شركات صغرى. وهذا ما يعرف ب ” Sous-traitance “. وبالفعل أصبحنا في السنوات العشر الأخيرة نلاحظ انتشار هذه الظاهرة وبشكل متسارع. ويكفي أن نشير إلى أن مسؤولية الآمن والبستان والنظافة أصبحت تنقلها الإدارة العمومية أو الشبه عمومية إلى الخواص، مثلا ما يعرف بالأمن الخاص والكاتب الخاص والسائق الخاص …
ليس موضوعنا هو الخوض في الوجوه القانونية والاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية لظاهرة ” التدبير المفوض “. فهذا الموضوع يقتضي تكامل عدة تخصصات للإلمام بخيوطه العنكبوتية المهمة دون تناسي شرعيته وآثاره المجتمعية.
إن ما نرومه في مقام هذا القول هو تناول بعض وجوه هذا السلوك العلائقي لحياة الإنسان المغربي حتى في بعض الأمور الخصوصية والأكثر حميمية في الواقع اليومي والمعيشي.
وإذا كنا الإنسان المغربي لا نعير كبير الاهتمام إلى جنوحه إلى آلية التدبير المفوض، بل ولا يستحضرها في تعاملاته، كما لا يعلن عنها في حالة الشعور بها، فإن الفضاء المغربي يضمر أشكالا و بدرجات متفاوتة، تختلف من طبقة إلى أخرى، من هذا التدبير. ونورد بعض الشواهد من أحوال المغاربة التي تزخر بعلامات ” التدبير المفوض “. هذا المفهوم الذي يتجول، وبدون وعي منا، في مشارب شتى من الحياة، ومن ذلك هذه الصور:
– التربية بالتدبير المفوض : وهذا الصنف له جذور في البيئة الثقافية للمغاربة، والتي تعود إلى ما قبل الإسلام. فقد كان العرب الحضريون، في العصر الجاهلي، يفوضون رضاعة أبنائهم وتأدب و حتى تأديب أطفالهم للبدو، بمبرر تقوية ساعدهم أو فصاحة لسانهم. كما كان أهل أثينا من الإغريق، خاصة الأغنياء والساسة، يفوضون تنشئة براعمهم إلى العبيد ” pédagogue “. وحتى المغاربة في ماضي الزمان، ومازال بعضهم من أهل المغرب العميق، كانوا يسندون مهمة تربية الأولاد إلى الأقارب، الأجداد، أو الجيران، وذلك لظروف صحية أو اقتصادية. وهذا ما تشهد علية علاقة الاخوة بالرضاعة التي أصبحت تنقرض من فضاء المدن.
نفس الأسلوب نجده اليوم في الفضاء المدني المغربي، نفس الجوهر مع تغير شكل البنية. وهذا ما يوضحه تعامل أهل المدن مع تربية الأطفال. فلقد ظهرت ” دور الحضانة ” و ” رياض الأطفال ” و ” مؤسسات التعليم الأولي ” و ” المدارس ” العمومية و الخصوصية. فرغم اختلاف طبيعة تعامل الأسر مع هذه المؤسسات، المعتبرة فضاءا للتنشئة الاجتماعية الأولية “، ونظرا للظروف الاجتماعية للأمهات والأباء وعلاقة ذلك بالشغل والوظيفة أو عدمها، خاصة بالنسبة للأم، فإن الملاحظ أن تفويض تربية الأطفال يوكل إلى هؤلاء الأعوان. سواء منذ الطفولة الأولى أو المتوسطة. بل أصبحنا نجد من يعتبر تلك المؤسسات مجرد ملاجئ يوضع فيها الأطفال حتى عودة الآباء من العمل، أو الاحتفاظ بهم لمنح الأم – ربة البيت – الفرصة للحياة العادية. وهذه العدوى تطال الأطفال حتى في تعليمهم. إذ بمجرد مغادرتهم المؤسسة النظامية ينقلون إلى الدروس الخصوصية، بمبرر المزيد من التحصيل الدراسي. وهكذا، لا يباشر الكثير من الآباء أمر التربية إلا بشكل عرضي، بتوفير الأكل، الملبس والمشرب. فتكون النتيجة هي غياب الأبعاد العاطفية والاجتماعية بين الآباء والأبناء، وهي السمات المفترض توفرها في كل تربية عادية.
– التدبير المنزلي المفوض : ومقتضاه تفويت كل أشغال البيت للخادمة ، لدرجة أن هذه الأخيرة تتدبر كل أمور البيت، بل وتعرف أسراره أكثر من صاحبته. وإذا كان أصحاب البلاغة القدامى ينعتون المرأة التي لها من يخدمها ب ” نئومة الضحى ” بسبب نومها حتى وقت الضحى واتكالها في تدبير شؤون البيت على الخدم، فإن نفس الصورة تتكرر ولو بشكل مختلف في اليومي المغربي المعيشي. إذ، بسبب ظروف العمل أو العجز أو اليسر أو … تلجأ الكثير من الحضريات إلى هذا الشكل من التدبير المفوض. فهن لا تباشرن مختبر المنزل في أي شيء : لا تسوق، لا تنظيف، لا تحضير وجبات شهية… بل لا يعرفن إلا أسلوب الأمر للخادمة ونقد عملها، وفي بعض الحالات الانقضاض عليها.
ولا يتوقف أمر تدبير المنزل على هذا المستوى، فهناك وكلاء آخرين يقومون بهذه المهمة. مثلا اللجوء إلى المقاهي والمطاعم، بل وطلب إسعافها. فهناك متخصصون يجلبون لك كل ما تحتاجه إلى قلب بيتك، إلى فوق سريرك. وهذه الظاهرة توطنت في الفضاء المغربي بشكل كاد أن يكون شعبيا. فانتشار مموني المناسبات هم دليل ساطع على التفويض، على التدبير المفوض. فممون أو ممونة المناسبات هو الشخصية التي تقوم مقامك وتحل محلك في الأفراح والأحزان. ينوبون عنك في كل شيء، في استقبال وتوديع الضيوف والاعتناء بهم وإكرامهم.
– التدبير الكتابي المفوض : بعدما كان ” الكاتب العمومي ” هو من ينوب عن الناس، في زمن الأمية، في تدوين مشاكلهم وأفكارهم وتظلمانهم … ، وكان المحامي هو وكيلهم ولسانهم في الوقت الذي لا يحسنون فيه القول في مقامات القضاء، فإن التدبير الكتابي أصبح له اليوم تجدر أخر عند المغاربة. وتلك المهمة هي التي تسند إلى خدام دواوين الوزراء والبرلمانيين و بعض المتحصنين في مواقع المسؤولية. هذا ما يظهر مثلا في بعض الأسئلة والأجوبة البرلمانية، وفي بعض الخطابات السياسية، وفي بعض المناظرات والنقاشات الإتنخابوية. بل ظهرت إلى الوجود الكثير من وكالات التواصل. هذه العلب التي تستطيع أن تنوب عنك في كل شيء : في تغيير معالم صورة الشخص، وكتابة نهج سيرته، وصياغة برامجه الانتخابية. ويكفي أن يعرف الشخص فك الرموز الأبجدية حتى يوفق في نقل الأحاسيس والأفكار التي تصبح ملكا له، أو هذا ما يعتقده.
– التدبير المفوض الحميم : يشهد الواقع اليومي الراهن على ظاهرة اقتحام التدبير المفوض لعالم الإنسان المغربي حتى في أدق خصوصياته. فبفعل تخمة التواكل والعجز وسيادة ثقافة ” الخدمة ” و ” الخدمات “، أصبح الشخص، ممن أبتلي بهذه المعضلة، يفوت نظافة جسده ل”الكسال”، وحلاقة ذقنه للحلاق، وتصبين أرذانه للصبان، ونقل قمامته، لعامل النظافة، وتلميع وجهه لربات صالونات التجميل، وفرجته للبهلوان. لقد حوله التدبير المفوض إلى مستهلكة ؛ فهو لم يعد يتذوق طعم الحياة، وهذا شيء حتمي مادام التدبير المفوض يجعل الكائن منفعلا لا فاعلا، تابعا لا مبدعا. وهنا يحضرني المثل الشعبي المأثور باللسان المغربي الدارج :”للي ما صبن كساتو، و للي ما طيب عشاتو، و للي ما قرا براتو، موتو حسن من حياتو”.

عبر عن رأيك

تعليق واحد على “الدكتور تفروت يكتب عن حياة المغاربة ومعضلة ” التدبير المفوض “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الآن تيفي

المزيد

استفثاء

ما هي نوعية المواضيع االتي تفضلون قرائتها على موقعكم شيشاوة الآن

التصويت انظر النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
marrakechalaan-pages