الرئيسية > أخبار المغرب

“شيخ الطلبة”..سبعيني مغربي يعود إلى مقاعد الدراسة

  • الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 19:25

عبد الغني بلوط – مراكش

يحرص “أبو أمل” على الحضور باكرا إلى المدرج الجامعي في كلية الحقوق بمدينة مراكش ليأخذ مكانه في الصف الأمامي، كما يصر على ألا تفوته أي حصة دراسية.

ملامح الجدية التي تعلو محياه وشعرات الشيب التي تداهم رأسه توحي لمن يراه للوهلة الأولى أنه أستاذ اختار تلك الطريقة من أجل التقرب إلى طلابه، لكن كراساته وأقلامه التي يبسطها أمامه بكل انتظام تخبرك أنه فعلا طالب مجد منحته الدراسة الجامعية فرصة من أجل حياة جديدة كما يحلو له هو نفسه أن يعبر عن ذلك.

أبو أمل والأمل
أبو أمل عبد اللطيف هذا هو اسمه الكامل، يقترب من السبعين من عمره وله ثلاثة أولاد و11 حفيدا، زملاؤه في الدراسة يفضلون تسميته بـ”شيخ الطلبة”.

لكنه لا يرى في هذا اللقب أي معنى، يقول للجزيرة نت بكل ثقة إن التحاقه بالجامعة في سن متأخرة أمر طبيعي لا يحتاج إلى تمجيد، بما أن طلب العلم يكون من المهد إلى اللحد.

 الأستاذ محمد الغالي وصف أبو الأمل بأنه طالب متميز وأظهر رغبة جامحة في التحصيل (الجزيرة نت)

ويبرز أن الأمل كان يحدوه دائما من أجل الحصول على أعلى مراتب العلم، وقد استطاع اسمه العائلي فعلا أن يتحول إلى معنى حقيقي في حياته، المهم عند أبو أمل هو امتلاك الخبرة والوعي والقدرة على معرفة ما يجب أن تتعلمه وكيف تتعلمه.

يجمع أساتذته على أنه طالب جدي دائم الحضور، دائم المشاركة، يثري النقاش، تساعده ثقافته المتعددة اللغات وخبرته المعيشية في سبر أغوار المواضيع.

وفي هذا الصدد، يقول أستاذه الدكتور محمد الغالي رئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق للجزيرة نت “أبو أمل طالب متميز أبان على الرغم من كبر سنه رغبة جامحة في التحصيل”.

ويضيف وقد علت محياه بسمة ممزوجة بشيء من الافتخار “لقد أظهر أن عامل السن لا يشكل أي عائق في تسلق مراتب العلم”.

ويتابع “وهو الأكثر مواظبة وحضورا، ويتطلع باستمرار لتحسين مرتبته العملية، كما يشكل المثل الحي للطلبة الشباب في التشبث بالأمل، واعتبار أن الدراسة خيار إستراتيجي وفرصة كبيرة للنجاح في الحياة”.

حرقة في الصدر
ينحدر أبو أمل من مدينة مكناس إحدى المدن التاريخية في المغرب، قضى فيها طفولته وحصل على شهادته الإعدادية قبل أن يلج سوق العمل بالقطاع العمومي صنف الفلاحة ويلتحق بمدينة مراكش، في الوقت الذي كانت الدولة في حاجة إلى موظفين قادرين على تسيير دواليب الإدارة وكانت تلك الشهادة قليلة وسط المتعلمين.

اجتاز هذا الطالب امتحان البكالوريا وهو في سن الـ36، لكن حرقة عدم إتمام تعليمه -وإن كان قد ترقى في وظيفته- بقيت تحز في نفسه، لذلك قرر وبعدما أحيل إلى التقاعد الالتحاق بالإجازة المهنية في التدبير العمومي والتنمية المجالية ليحصل على المراتب الأولى، مما ساعده في ولوج سلك الماجستير الذي يقضي فيه الآن سنته الأولى.

ويقول وزير في الحكومة المغربية إن موظفين يسعون للحصول على شهادة جامعية من أجل الترقي في الوظيفة، وهو ما جعل العديد منهم يتركون وظائف حساسة من أجل الالتحاق بوظائف أكثر دخلا وإن كانت أقل أهمية.

لكن أبو أمل يوضح “لم يكن همي الترقي في الوظيفة لما حصلت على البكالوريا، وبعدما أحلت إلى التقاعد سعيت للعلم وللعلم فقط، مدركا أن ذلك يقوي مناعتي الفكرية ويمنع موت خلاياي الدماغية”.

أبو أمل (الثاني جلوسا من اليسار) أثناء مشاركته في لقاء تواصلي (الجزيرة نت)

وعن سر حيويته الزائدة التي لا نجد مثيلا لها تقريبا فيمن بمثل سنه يكشف أبو أمل أنه يتبع نظاما خاصا في حياته يعتمد على النوم الباكر والاستيقاظ المبكر، كما أنه يفضل استعمال وسائل النقل العمومي لما يقارب 15 كيلومترا على الرغم من امتلاكه سيارة، حيث إن ذلك يجعله يمشي أكثر بين منزله ومحطات الركوب، أو بين محطة النزول والجامعة، وهو بذلك يحافظ على لياقته.

ذكرى عالقة
يتذكر أبو أمل بكل ألم كيف أن موظفا في الإدارة وجه له لوما لاذعا بعدما احتج على الفوضى في تدبير استقبال المواطنين، وقال له “آ، الحاج مكانك المسجد، اذهب لترتاح وانتظر الموت، دعك من الدخول والخروج”.

لكن أبو أمل يعذر مثل من يملكون هذه العقلية الذين يرون في كل مسن “مشروع جنازة” غير عارفين أن الأعمار بيد الله، و”ناسين أو متناسين أن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على العمل لآخر رمق من الحياة”.

ويودعنا أبو أمل وحادث الإدارة عالق في ذهنه، لكن الأمل في الحصول على الدكتوراه أشد تعلقا بنفسه وعقله، في حين يحدثنا أسامة فاوزي الطالب في نفس الماجستير عن حيوية هذا الطالب سواء في الدروس أو الأنشطة الموازية، فهو يراه من الطلبة النشيطين على المستوى العملي، له صورة طيبة لدى الأساتذة مسجلا أكبر نسبة في الحضور والتفاعل، وهو أيضا مبادر في كل الأنشطة.

وأضاف فاوزي للجزيرة نت “جامعة القاضي عياض تبرهن مرة أخرى على أنها محج الراغبين في التعلم حيث لا يكون السن حاجزا لهم”.

وختم بأن “أبو أمل” رجل مقاوم من أجل إكمال مساره الدراسي، وهو قدوة لجميع من يعرفه، وتبقى الصورة الأجمل العالقة في الوجدان، أبو أمل حياة بطعم الأمل ومعين متجدد للعمل”.

اقرا أيضا

عبر عن رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الآن تيفي

المزيد

استفثاء

ما هي نوعية المواضيع االتي تفضلون قرائتها على موقعكم شيشاوة الآن

التصويت انظر النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
marrakechalaan-pages