*/

الرئيسية > أخبار المغرب

“التفاهة” في الإعلام ..مختصون يعدِّدون أسبابها ووصفات لمواجهتها

  • الثلاثاء 19 مارس 2019 - 07:00

مثل روسي يقول “في أوقات الأزمات تطفو كل القاذورات على السطح”.. يمكن لهذا المثل أن يلخص أسباب طَفْوِ مواضيع يصفها البعض بـ”التفاهة والسخافة” في المجتمع، لدرجة أنها تلهب الساحة الإعلامية المغربية، بما توفره مواقع التواصل الاجتماعي من انتشار سريع لها عبر صفحات ومجموعات يقف وراءها أحيانا أفراد “عاديون” بهدف النكتة والضحك.

لكن “المزعج” اليوم أكثر مما سبق، هو انتقال مواضيع “السفاهة” من عمل يدار بطريقة فردية عامية، إلى عمل يصدر عن مؤسسات إعلامية بفريقها الذي حظي بتكوينات إعلامية إما دراسة أو ممارسة، فريق عارف بمجال اشتغاله والأدوار المناطة به، فريق مستوعب لمدى قدرة مهنته على خلق وتكوين وتوجيه آراء جمهور طواق للارتقاء بمستواه الاجتماعي.

الرؤية للعمل الإعلامي

أستاذ الفلسفة وعلوم التربية بجامعة القاضي عياض عبد الجليل أميم، يرى أن الرؤية التي يقود بها صاحب أي منبر إعلامي مشروعه، هي رؤيته للعمل الإعلامي في حد ذاته، مشيرا إلى أن هناك من يعمل على البحث عن الحقيقة وتغطية ما يجري في البلد، ويتقلب بين كل المستجدات التي تحدث في الوسط، لكنه يحافظ على مسافة الموضوعية والمهنية بينها وبين المواضيع، وهنا تجد مضمون المحتوى الإعلامي إيجابيا ويؤدي الدور المنوط بالإعلام.

وهناك فئة أخرى، يضيف أميم في تصريح لجريدة “لعمق”، “قد يكون هدفها من العمل الإعلامي -وأنا أتفهمها- المزاوجة بين منطق السوق من جهة والوصول إلى الحقيقة من جهة أخرى، وفي طريقها يمكن أن تتخلى عن أداء واجب المبادئ التي تحكم العمل الإعلامي، وبهذا تكون أقل من مصديقتها الأولى موضوعية واحترافية”.

كما توجد فئة ثالثة “دخلت الإعلام لتخدم ما هو موجود في السوق ولصالح من يدفع أكثر، وغالبا هذه الفئة لا تسعى لا للحقيقة ولا لتغطية ما يقع في البلد ولا تنوير المواطنين، بقدر ما تسعى إلى الربح والاشتغال من أجل من يدفع أكثر، لذلك تجدها تتقلب في آرائها من هنا وهناك، وتتعاطى للقضايا الأكثر دعاية والتي تستقطب أكثر عدد من المشاهدين، ولا يهمها أن تكون القضايا التي تطرحها قضايا مستجدة أو تعالج ما يروج في المجتمع المغربي”، وفق تعبيره.

ضعف التكوين والإبداع

من جانبه، أرجع الصحافي والباحث في مجال الإعلام محفوظ أيت صالح، أسباب بروز مضامين تافهة في الحقل الإعلامي، إلى “عقم الإبداع على مستوى المؤسسات الإعلامية، وكذا الصحافيين الذين يشتغلون فيها، إذ أصبحنا نعيش تكرار نفس المضامين مع غياب الاستثمار في الإبداع”.

وأشار في تصريح لجريدة “العمق”، إلى أن هشاشة التكوين الذي تلقاه المشتغلين في مجال الإعلام سبب آخر في الموضوع، éكون هذه التكوينات تقنية ولا تلامس العمق، وأن استلهام الأفكار يكون عبر مجموعة من الروافد الفكرية والمعرفية، كالسوسيولوجيا والقانون والآداب والفنون، التي من شأنها أن تغني ذاكرة رجل الإعلام، لأن الإبداع لا يمكن أن يأتي من أشخاص لهم خصومة مع الكتاب والبحث والتنقيب”.

البوز الإعلامي معيب أحيانا

من جانبها، أستاذة السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بجامعة القاضي عياض نعيمة المدني، قالت إن أغلب المنابر الإعلامية “تعمل على عرض محتوى وفق تبويب متنوع، غير أن المشاهد أو المتصفح هو الذي يساهم في تصدر بعض المواد في المشهد الإعلامي بفعل كثافة المشاهدة التي تشجع على انتشارها”.

وأوضحت في تصريح لجريدة “العمق”، أنه “لا يخفى أن إحداث ما يسمى بالبوز يتطلب الالتزام بقواعد مضبوطة حددتها بعض الدراسات، كالقواعد الستة لـ”مارك راينولدز هيوج” المتمثلة في تناول الطابوهات، كالأسرار، تقديم الفكاهة، تحقيق التفرد، إثارة الفضيحة، وتحفيز التأمل”، حسب قولها.

وأضافت بالقول: “هذه كلها قواعد تعمل على جذب الانتباه وليس تحقيق فائدة معينة بالضرورة، غير أن المشكل المطروح هو عدم القدرة أحيانا على ضبط التداعيات السلبية للبوز عندما يتعلق الأمر بمحتوى أجوف أو سيئ قد يعمل على زعزعة القيم الإجتماعية وتقويض عمل المؤسسات، خصوصا عندما يتحقق البوز بالصدفة وليس ضمن خطة تواصلية معينة”.

وتابعت قولها: “الأمر في نظري يتطلب خلق ميثاق خاص بأخلاقيات البوز الاعلامي، خصوصا إذا علمنا أن البوز في العالم والذي يتفعل مبدئيا من خلال “إحداث ضجة” حول مادة معينة، ارتبط منذ البداية بعالم التسويق والتجارة لذلك من المعيب إخضاع قضايا المجتمع لهذا المبدأ”، وفق تعبيرها.

زوال الأثر

من جهته، استبعد الدكتور عبد الجليل أميم، استمرار تأثير الشخصيات التي تظهر في لحظات معينة على مواقع التواصل الاجتماعي في الواقع، قائلا: “لا أظن أنه سيبقى لهذه الشخصيات أثر على الواقع، لأنها تظهر وتختفي بسرعة، وأثرها في المجتمع يكون ضئيلا، وبحكم أن فعل الأثر يكون مستمرا وممنهجا ومنظما، ويكون بعمليات احترافية ومستمرة في الزمن وبطريقة علمية”.

وأسند كلامه بالقول: “ذلك لأنه بمجرد ما تظهر شخصية جديدة أخرى تختفي سابقتها، وهذا ما يمكن أن أسميه لحظات الفكاهة التي يحتاجها المجتمع للتخفيف عن همومه والخروج من الرتابة، لكنها لا تؤثر بشكل كبير، بل يمكن أن تؤثر على بعض الأفراد في تلك اللحظة أما على المدى البعيد أستبعد أن تحدث تأثيرا كبيرا”.

التفاهة أسلوب للتمويه؟

هذا ونفى عبد الجليل أميم فكرة وجود حراك أو طرح نقاش سياسي أو اقتصادي أو فكري معين، وظهور بالموازاة شخصيات فكاهية “يراد بيها تمويه الناس عن قضاياهم الإجتماعية، بمعنى أنها عملية مبرمجة بدقة عالية، لأنه هذا أمر عادي جدا، وعبر سنوات توجد هذه الظواهر، ولنفترض أن الساحة لا تعرف أي نقاش سياسي أو فكري، هل تختفي هذه الوجوه؟، وبالتالي إذا كانت حاضرة في الساحة الإعلامية دون وجود قضايا مطروحة فهذا أمر عادي”.

وأضاف أميم لـ”العمق” بالقول: “يحكمنا منطق المؤامرة في كل شيء حتى في القضايا البسيطة، لا أستبعد ما قلت بشكل مطلق لأنه قد تحدث حالات محددة تتدخل فيها أجهزة معينة، لكن لا أعتقد أن هذا الأمر متواتر والدليل هو وجود نقيضه، الذي هو ظهور هذه الوجوه في الساحة الإعلامية على طول السنة وربما في شهر واحد تطرح عدة حالات”.

وأكد أميم “أن مثل هذه الحالات لا خوف منها على أن تأثر على حراك مجتمعي معين، لأن هذه القضايا أكبر من هذا، بل يمكن لهذه الحالات أن تزيد من حدة الحراك”، حسب قوله.

الإبداع يواجه التفاهة

الإعلامي محفوظ أيت صالح، يرى أن أحسن وسيلة لمواجهة هذه التفاهة، “ليس هي لوم الجمهور والقول إنهم لن يتابعوا المواضيع الجادة، على العكس من ذلك، لأن أي موضوع جاد يكفي أن يغلف بقالب إبداعي، ولأننا نعيش اليوم في زمن أصبح فيه المتلقي مفتونا بالصورة، وفي هذه القوالب الإبداعية يجب أن تدخل المواضيع الجادة، وهذا يستدعي مجهودا من طرف الصحافيين ومؤسساتهم الإعلامية”.

وأشار أيت صالح إلى أن “العمل الإعلامي يتم داخل دائرتين، الأولى للمضامين الجادة والأخرى للمضامين التافهة، وعندما تكبر إحدى الدوائر فإنها تتسع على حساب الدائرة الأخرى، بمعنى ليست هناك نقطة وسط بين هذين المنزلتين، ولا يمكن التصدي للتفاهة بالقوانين والعقوبات الزجرية بل يمكن محاصرتها بالمواضيع القوية والجادة والمبدعة”.

المصدر: العمق الإلكترونية

اقرا أيضا

عبر عن رأيك

الآن تيفي

المزيد


استفثاء

ما هي نوعية المواضيع االتي تفضلون قرائتها على موقعكم شيشاوة الآن

التصويت انظر النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...